أبو الليث السمرقندي

104

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني : أنتم محتاجون إلى ما عنده . ويقال : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في رزقه ومغفرته وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ في فعله وسلطانه . وهذا كما قال في آية أخرى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] لأن كل واحد يحتاج إليه . لأن أحدا لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان ، والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان ، لا يقدر على الإمارة . وكذلك التاجر يحتاج إلى المكارين ، واللّه عز وجل غني عن الأعوان وغيره . ثم قال عز وجل : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني : يهلككم ويميتكم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أفضل منكم وأطوع للّه وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني : شديد وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني : لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى . ويقال : لا تحمل بالطوع ولكن يحمل عليها إذا كان له خصما . ثم قال : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها يعني : الذي أثقلته الذنوب والأوزار ، إن لو دعا أحدا ، ليحمل عنه بعض أوزاره ، لا يحمل من وزره شيئا . وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره . وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه ، عن عكرمة قال : إن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول : يا بني إني كنت لك والدا فيثني عليه خيرا . فيقول : يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة . وفي رواية أخرى : إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى . فيقول له ولده : ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق . إني أخاف مثل الذي تخوفت . ثم يتعلق بزوجته فيقول لها : إني كنت لك زوجا في الدنيا فيثني عليها خيرا ويقول : إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ترين . فتقول : ما أيسر ما طلبت ، ولكن لا أطيق . إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك قوله : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى . ثم قال : إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يعني : إنما تخوف بالقرآن الذين يخافون ربهم بالغيب . يعني : آمنوا باللّه وهم في غيب منه وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني : يقيمون